أرز الرب
التراث · مزدنا
على ارتفاعات فوق وادي قاديشا، حيث يحمل الهواء برودةً لا تتركه حتى يونيو، ثمة ستة وثلاثون أرزة قد يتجاوز عمر بعضها ألف عام. يُدعى هذا الرواق بأرز الربّ، ويقع في أحد آخر معاقل أرز لبنان الأصيل الذي كان يُغطّي جبال لبنان ذات يوم من البترون حتى البقاع.
كان الأرز صادرة بلاد الشام العظيمة. توثّق ورق البردي المصري من القرن الثاني عشر قبل الميلاد شحنات أرز لبنان إلى الدلتا — لبناء السفن وأبواب المعابد وتوابيت الفراعنة. تُسمّي ملحمة جلجامش غابة الأرز مملكةً للإله هومبابا. وسقف هيكل سليمان كان من الأرز اللبناني، أُنزل من الجبال إلى ميناء جبيل وحُمل جنوباً على يد بحارة فينيقيين.
الأشجار التي تراها اليوم في أرز الربّ ليست الأشجار التي قُطعت. إنها الناجيات — التي لم تُطلها الأيدي، التي نُسيت، التي قُدِّسَت. لقرون خلت، حمى الرواقَ دير مار إليشا أسفل منه، واتفاق صامت بين القرى المحيطة على ألا تُمسّ الأرزات. لم يحمها قانون مكتوب حتى عام 1876، وكان حينها معظم سلسلة الجبال قد جُرِّدت أصلاً.
محمية الشوف للمحيط الحيوي، التي أُسِّست عام 1996، تحمي اليوم 550 كيلومتراً مربعاً من السلسلة الوسطى، وتضمّ أكثر من مئتي روشة أرز في مراحل متفاوتة من التجدد — بعضها زُرع في ستينيات القرن الماضي ضمن مبادرة وطنية لإعادة التشجير، وبعضها نبت بذراً طبيعياً من أسلاف الغابات القديمة.
جامعو التحف اللبنانية الذين يتعاملون بالمنحوتات الخشبية — الأثاث من الحقبة العثمانية والهياكل الكنسية المنحوتة واللوحات القديمة على دعائم من الأرز — يعرفون الأرز برائحته. افتح إحكام صندوق قديم ولا يزال الراتينج يتكلّم. إنه من أمتن الخشب على وجه الأرض، مقاوم للحشرات والرطوبة، قادر على الاحتفاظ بسطح منحوت لقرون. أن تمسك بقطعة مصنوعة من أرز لبنان هو أن تلمس مادة كانت ثمينة قبل أن يُخترع الحرف الأبجدي.